الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

535

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

نكذبك ولكن نكذب بما جئت به ، فأنزل اللّه تعالى الآية . والمعنى : أنهم ينكرونه مع العلم بصحته . إذ الجحد هو الإنكار مع العلم . فإن قلت : فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ « 1 » ؟ أجيب : بأنه على طريق الجحد ، وهو يختلف باختلاف أحوالهم في الجهل ، فمنهم من وقع منه ذلك لجهله ، فحيث علم آمن ، ومنهم من علم وأنكر كفرا وعنادا كأبى جهل . فيكون المراد بقوله فإنهم لا يكذبونك ، قوما مخصوصين منهم لا كلهم ، وحينئذ فلا تعارض . وروى أن أبا جهل لقيه فصافحه فقيل له : أتصافحه ؟ فقال : واللّه إني لأعلم أنه نبي ، ولكن متى كنا تبعا لبنى عبد مناف ؟ فأنزل اللّه الآية ، رواه أبو حاتم . والقرآن كله مملوء بالآيات الدالة على صدق هذا الرسول الكريم ، وتحقيق رسالته ، فكيف يليق بكمال اللّه أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب ، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه ، ثم ينصره على ذلك ويؤيده ، ويعلى كلمته ويرفع شأنه ، ويجيب دعوته ويهلك عدوه ، ويظهر على يده من الآيات والبراهين والأدلة ما يضعف عن مثله قوى البشر ، وهو مع ذلك كاذب عليه ، مفتر ساع في الأرض بالفساد ؟ ؟ ومعلوم أن شهادته سبحانه وتعالى على كل شيء ، وقدرته على كل شيء ، وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء ، ومن ظن ذلك به وجوزه عليه فهو من أبعد الخلق عن معرفته إن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة . والقرآن كله مملوء من هذه الطريق ، وهذه طريقة الخاصة ، بل خاصة الخاصة الذين يستدلون باللّه على أفعاله ، وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله . وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادى على ذلك ويبديه ويعيده لمن له فهم وقلب واع عن اللّه تعالى . قال اللّه تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ « 2 » ، أفتراه سبحانه وتعالى يخبر أن كماله وحكمه يأبى أن يقرّ من

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 34 . ( 2 ) سورة الحاقة : 44 - 47 .